ابن ميثم البحراني
113
شرح نهج البلاغة
أَلَا وإِنَّ اللِّسَانَ الصَّالِحَ - يَجْعَلُهُ اللَّهُ لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ - خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُورِثُهُ مَنْ لَا يَحْمَدُهُ أقول : صدّر الفصل بذكر فضيلته وهى علمه بكيفيّة تبليغ الرسالات وأدائها ، وعلمه بإتمام اللَّه تعالى ما وعد به المتّقين في دار القرار . فتمام وعده أن لا خلف فيه ، وتمام إخباره أن لا كذب فيها ، وتمام أوامره ونواهيه اشتمالها على المصالح الخاصّة والغالبة . وهكذا ينبغي أن يكون أوصياء الأنبياء وخلفائهم في أرض اللَّه وعباده . ثمّ أردف ذلك بالإشارة إلى فضل أهل البيت عامّا ، وأراد بضياء الأمر أنوار العلوم الَّتي يبتنى عليها الأمور والأعمال الدينيّة والدنيويّة ، وما ينبغي أن يهتدى الناس به في حركاتهم من قوانين الشريفة وما يستقيم به نظام الأمر من قوانين السياسات وتدبير المدن والمنازل ونحوها . إذ كان كلّ أمر شرع فيه على غير ضياء من اللَّه ورسوله أو أحد أهل بيته وخلفائه الراشدين فهو محلّ التيه والزيغ عن سبيل اللَّه ، واستعار لفظ الشرائع وهى موارد الشاربة لأهل البيت . ووجه الاستعارة كونهم موارد لطلَّاب العلم كما أنّ الشرائع موارد طلبة الماء ، وكونها واحدة إشارة إلى أنّ أقوالهم لا تختلف في الدين بل لمّا علموا أسراره لم تختلف كلمتهم فيه فكلَّهم كالشريعة الواحدة ، وكذلك استعار لهم لفظ السبل ، ووجه المشابهة كونهم موصلين إلى المطالب على بصيرة وقصد كما يوصل الطريق الواضح . وقوله : من أخذ بها لحق . أي من أخذ عنهم واقتدى بهم لحق بالسابقين من سالكي سبيل اللَّه وندم على تفريطه بتخلَّفه . وقيل : أراد بشرائع الدين وسيلة قوانينه الكلَّيّة فإنّ أيّ قانون عمل به منها فإنّه مستلزم لثواب اللَّه فهي واحدة في ذلك وموصل إلى الجنّة من غير جور ولا عدول وذلك معنى كونها قاصدة ، والأوّل أظهر لكونه في معرض ذكر فضيلتهم . ولمّا كان غرض الخطيب من إظهار فضيلته قبول قوله شرع في الأمر بالعمل ليوم القيامة . والذخائر : الأعمال الصالحة . ومعنى قوله : ومن لا ينفعه حاضر لبّه . إلى قوله :